كيف صنعت موريتانيا مقاربتها الأمنية الاستثنائية في إحدى أكثر بؤر العالم هشاشة؟

نجحت موريتانيا في السنوات الأخيرة في تحصين أراضيها من موجة العنف التي اجتاحت دول الجوار في منطقة الساحل التي تحوّلت خلال العقدين الأخيرين إلى إحدى أكثر بؤر العالم هشاشة أمنياً؛ غير أن هذا الاستقرار، يجد نفسه اليوم مهددا بتحوّل البلاد في الآونة الأخيرة إلى إحدى أهم بوابات الهجرة غير النظامية نحو أوروبا، والتحديات الأمنية التي يطرحها ذلك.

خلال مشاركته في الدورة الثانية والستين لمؤتمر ميونخ للأمن، قبل بضعة أيام، اعتبر وزير الدفاع الموريتاني حننه ولد سيدي أن المعركة ضد الإرهاب لا يمكن كسبها بالسلاح وحده، بل تحتاج إلى رؤية شاملة تعالج جذور التطرف الاجتماعية والفكرية والاقتصادية. وشدّد على أن المقاربة العسكرية، رغم ضرورتها، غير كافية وحدها لكسب المعركة ضد الإرهاب والتطرف، ما لم تُستكمل بسياسات تنموية تستهدف منابع العنف والكراهية.
كما أوضح الوزير الموريتاني- وهو جنرال متقاعد – أن مكافحة الإرهاب تظل رهينة برؤية تنموية متكاملة تقوم على تعزيز البنية التحتية وخلق فرص اقتصادية للشباب، بهدف تجفيف منابع التطرف وترسيخ السلم الاجتماعي؛ داعياً إلى الاستفادة من «المقاربة الموريتانية»، التي تمزج بين الحزم الأمني والعمل الفكري والتنموي، معتبراً أنها أثبتت نجاعتها في بيئة إقليمية شديدة التعقيد.
اعتمدت السلطات الموريتانية استراتيجية مزدوجة، تمثّلت في تحديث الجهاز الأمني من جهة، والاستثمار الاجتماعي في المناطق الهشة من جهة أخرى. من أبرز هذه الإجراءات إنشاء مدن جديدة لاستقرار السكان الرحل، الذين غالباً ما كانوا هدفاً للدعاية الجهادية. وتتمثل الفكرة الأساسية في حرمان التنظيمات المتطرفة من البيئات الاجتماعية القابلة للاختراق.
ومنذ الهجمات الجهادية العميقة التي شهدتها بين عامي 2005 و2011، لم تشهد موريتانيا أي اعتداء مماثل، في وقت غرقت فيه دول مجاورة في دوامة عنف مستمر.. هذا الاستقرار النسبي هو محط اهتمام العديد من الباحثين في الشؤون الأمنية، بمن فيهم العقيد الدركي الموريتاني المتقاعد حسن كوني، الباحث حالياً في معهد الدراسات الأمنية «ISS»، ومقره داكار، والذي يرى أن سرّ التجربة الموريتانية يكمن في كونها لم تختزل الحرب ضد الإرهاب في بعدها العسكري.

تفكيك الخطاب المتطرف

بعد هجمات مطلع العقد الماضي، شرعت نواكشوط في إعادة هيكلة عميقة للجيش وأجهزة الأمن، حيث تم تطوير قدرات الاستخبارات، وإنشاء وحدات تدخل سريعة قادرة على التحرك في الصحراء، وتحسين التنسيق بين مختلف الأجهزة. واختار الجيش الموريتاني منطق الوقاية بدل رد الفعل.. فالانتشار الدائم في المناطق الصحراوية، وتكثيف المراقبة الحدودية، وتحويل الفراغات الجغرافية إلى فضاءات خاضعة للرقابة، كلها عناصر حدّت من قدرة الجماعات المسلحة على التحرك بحرية. كما لعبت وحدات الدرك التي تعتمد على المعرفة المحلية والتواصل مع المجتمعات البدوية دوراً محورياً في جمع المعلومات الاستخباراتية وبسط حضور الدولة في المناطق النائية.
إلى جانب المقاربة العسكرية، خاضت الدولة الموريتانية معركة أيديولوجية هادئة، تمثلت في قيادة علماء دين معترف بهم حوارات مع سجناء متطرفين، أفضت إلى توقيع العشرات منهم على وثائق تؤكد «تخلّيهم عن العنف». كما تم تنظيم الفضاء الديني، بما في ذلك مراقبة الخطاب في المساجد بغية الحدّ من انتشار التفسيرات المتشددة. وقد ساهمت هذه المقاربة الفكرية بالفعل في إضعاف الجاذبية الاجتماعية للخطاب الجهادي، وفق مراقبين، والذين يعتبرون أنها تعدّ عنصراً أساسياً في تفسير استقرار موريتانيا الأمني مقارنة بجيرانها.
رغم نجاح التجربة، إلا أن ثمة جدلا مسستمرا بين بعض الباحثين حول فرضية وجود «تفاهم غير مباشر» بين نواكشوط وبعض الجماعات المسلحة يقضي بعدم استهداف الأراضي الموريتانية؛ وهو ما تنفيه السلطات الموريتانية بشكل مستمر؛ بينما يعتبر متابعون ومراقبون وباحثون أن الاستقرار نتاج مزيج من الردع العسكري، والاحتواء الاجتماعي، وربما قنوات تواصل غير رسمية. ويؤكد خبراء وباحثون أن الفرق الجوهري يكمن في قدرة الدولة على توفير الحد الأدنى من الخدمات في المناطق الحدودية، ما جعل «العرض الجهادي» أقل إغراءً للسكان المحليين.
يشرح محفوظ السالك، الباحث الموريتاني في الشؤون الأفريقية، أن المقاربة الأمنية الموريتانية لمكافحة الجماعات المسلحة تقوم على ثلاثة أبعاد رئيسية تحاول أن تتكامل مع بعضها البعض: أولها، البعد المسلح من خلال تعزيز الترسانة العسكرية، وتعزيز التدريب والتكوين الميداني. وثانيها، الحوار مع معتنقي الفكر المتشدد، وهو منهج أثمر تراجع عدد معتبر من المعتقلين السلفيين عن هذا الفكر. وثالثها، البعد الاقتصادي والتنموي خصوصا في المناطق الداخلية النائية، لأنه حيثما يكون الفقر والهشاشة، تكون البيئة مواتية للتطرف. ومع ذلك، يشهد هذا البعد الأخير، وفق الباحث، بعض التعثر الواضح، إذ ما زالت عديد المناطق خصوصا المحاذية للجارة مالي التي تشهد عدم استقرار أمني منذ سنوات طويلة، تفتقد للخدمات الأساسية.
علاوة على هذه الأبعاد الثلاثة – وفق محفوظ السالك دائما- هناك جانب هام استفادت منه موريتانيا، وهو تبنيها مقاربة دبلوماسية خارجية منفتحة، ما جعلها تحظى بتقدير الكثير من الأطراف الدولية، وتستفيد منها في الجانب العسكري والأمني، في الوقت الذي انكفأت فيه بعض بلدان الجوار على شركاء محددين، ودخلت في صراع مع الشركاء التقليديين، وهو ما فوت عليها الكثير من الفرص.

التهديد القادم عبر الحدود

رغم هذا الاستثناء النسبي، فإن موريتانيا ليست معزولة عن محيطها؛ إذ يشهد غرب مالي، لاسيما منطقة كايس، تصاعداً في نشاط جماعة نصرة الإسلام والمسلمين، ما يهدد الممرات الاقتصادية الحيوية التي تربط مالي بكل من السنيغال وموريتانيا. ما يعني أن أيّ اضطراب أمني في تلك المنطقة قد يؤثر على الممرين التجاريين داكار – باماكو ونواكشوط – باماكو، ويهدد سلاسل الإمداد والطاقة والتعدين، إضافة إلى منشآت كهرومائية إقليمية حيوية. لذلك تبرز الحاجة إلى تعاون ثلاثي أعمق بين البلدان الثلاثة، بما في ذلك تبادل المعلومات، ودوريات مشتركة، ومعالجة النزاعات المحلية التي تستغلها الجماعات المسلحة في التجنيد، وفق مراقبين.
هذا الواقع دفع موريتانيا إلى تعميق تعاونها الأمني مع شركائها الدوليين، بمن فيهم حلف الناتو الذي يرى في نواكشوط شريكاً استراتيجياً نادراً في الساحل، لاسيما مع تصاعد النفوذ الروسي في المنطقة، بما في ذلك مالي المجاورة. تؤكد فريديريك جاكمين، المسؤولة عن برنامج تطوير القدرات الدفاعية للحلف الأطلسي في موريتانيا، أن من واجب الحلف «الحفاظ على الاستقرار في موريتانيا بأي ثمن»، لأنها «الدولة الشريكة الوحيدة للناتو في منطقة الساحل الواسعة»، مضيفة أن نواكشوط «تكتسب فهمًا أعمق لكل التحديات الأمنية التي تواجه منطقة الساحل». كما أن الاتحاد الأوروبي ضخّ، بدوره،  مئات الملايين من اليوروهات في مشاريع مراقبة الحدود والتنمية، في محاولة لربط الأمن بالاستقرار الاقتصادي.
غير أن هذا الانخراط الدولي يرتبط بملف آخر شديد الحساسية، وهو ملف الهجرة غير النظامية، مع تحوّل موريتايتا في السنوات الأخيرة إلى نقطة محورية في خريطة الهجرة غير النظامية نحو أوروبا.. فموقعها الجغرافي على الساحل الأطلسي جعلها منصة انطلاق رئيسية للقوارب المتجهة إلى جزر الكناري، ما وضعها في قلب سياسة أوروبية تقوم على «تعهيد الحدود» إلى دول العبور، في وقت تكثف فيه أوروبا سياساتها لاحتواء تدفقات الهجرة عبر اتفاقيات مع دول العبور. وقد أبرمت في هذا الصدد اتفاقيات أمنية مع إسبانيا والاتحاد الأوروبي.
وقع الاتحاد الأوروبي عام 2024 اتفاقاً مالياً مع الحكومة الموريتانية، جزء مهم منه مخصص لمكافحة الهجرة غير النظامية. والهدف المعلن هو وقف انطلاق القوارب نحو جزر الكناري، التي تمثل بوابة رئيسية إلى أوروبا. وبعد عام قياسي في عام 2024 شهدت وصول حوالي 47 ألف مهاجر إلى الأرخبيل الإسباني، انخفض العدد في عام 2025 بنسبة تتجاوز 60 في المئة.
وهو ما ترى فيه السلطات الإسبانية دليلاً على فعالية التعاون الأمني، خصوصاً مع انتشار قوات مراقبة بحرية وتكثيف الدوريات المشتركة. غير أن خبراء الهجرة يحذرون من أن إغلاق مسار معين لا يعني توقف الظاهرة، بل غالباً يؤدي إلى فتح طرق جديدة أكثر خطورة. بالفعل، تشير تقارير إلى تنامي الرحلات انطلاقاً من الجزائر وغامبيا وغينيا نحو مسارات أطول وأكثر فتكاً.
صحيح أن الاتفاقيات الأمنية التي أبرمتها مدريد والاتحاد الأوروبي مع موريتايتا، نجحت رقمياً في خفض أعداد الوافدين إلى إسبانيا، لكنها نقلت عبء الأزمة إلى الداخل الموريتاني، إذ تقع البلاد في قلب شبكة معقدة من التحركات البشرية القادمة من غرب أفريقيا ومنطقة الساحل. فهي ليست فقط نقطة عبور، بل أصبحت أيضاً بلد إقامة مؤقتة ـ وأحياناً دائمة ـ لعشرات الآلاف من المهاجرين الفارين من النزاعات أو الفقر أو التغير المناخي.
تستقبل موريتانيا خصوصاً أعداداً كبيرة من الماليين الهاربين من العنف المسلح في بلادهم. هذا الواقع يضع ضغطاً اقتصادياً واجتماعياً على دولة تعاني أصلاً من هشاشة اقتصادية وبطالة مرتفعة بين الشباب. وهو ضغط يولد توترات اجتماعية في مدن فقيرة أصلاً، ويضع خدمات الأمن والاقتصاد تحت اختبار دائم، الأمر الذي يثير جدلاً واسعاً حول الكلفة السياسية والإنسانية لهذه الاتفاقيات الأمنية.
ومع تقلص فرص العبور إلى أوروبا، يجد كثير من المهاجرين أنفسهم عالقين داخل الأراضي الموريتانية، يعملون في قطاعات غير رسمية ويعيشون في ظروف صعبة، وتعرض بعضهم لمعاملات قاسية، بحسب منظمات حقوقية، الأمر الذي عرّض السلطات الموريتانية لانتقادات حادة، بما في ذلك من منظمة «هيومن رايتس ووتش»، التي نشرت تقريراً مطولاً يوثق، وفق شهادات مئات المهاجرين، حالات تعذيب وضرب واعتقالات تعسفية وابتزاز وعمليات طرد جماعي إلى الحدود مع مالي والسنيغال.
تحدث تقرير المنظمة عن احتجاز في ظروف غير إنسانية، ونقص الغذاء والرعاية الصحية، وعنف جسدي، وترحيل جماعي بدون إجراءات قانونية، واستهداف على أساس عرقي ضد مهاجرين أفارقة سود. كما ترى المنظمة أن سياسة «تعهيد الحدود» الأوروبية ـ أي نقل مهمة منع الهجرة إلى دول العبور ـ ساهمت في خلق بيئة تسمح بهذه الانتهاكات.
نفت السلطات الموريتانية وجود سياسة منهجية لانتهاك الحقوق، وتؤكد أنها تدافع عن سيادتها وأمنها الوطني في منطقة مضطربة، مشددة على أنها تتحمل عبئاً إقليمياً يفوق قدراتها، وتطالب بمزيد من التضامن الدولي. كما أكدت الحكومة الموريتانية أن هدفها يتمثل في مكافحة شبكات التهريب، وتنظيم الهجرة بدل قمعها، وحماية الاستقرار الداخلي، واحترام الاتفاقيات الدولية. كما أعلنت عن إجراءات جديدة لتنظيم عمليات الإنقاذ في البحر وتحسين إدارة مراكز الاحتجاز.

آدم جابر

لندن ـ «القدس العربي»

أحد, 22/02/2026 - 11:20

          ​