أزمة الكهرباء في موريتانيا: أي آفاق في ضوء أي تحقيق؟

الشيخ أحمد ولد محمد – مهندس - رئيس مصلحة "الدراسات والتطوير" بمؤسسة ميناء خليج الراحة "نواذيبو"

بصفتي مهندسًا، أزعم أنني أُدرك الخفايا التقنية للمحطات الكهربائية الفرعية (Sous-stations). ومع ذلك، يتمثل حقي الأساسي في معاينة الواقع من منظور المواطن البسيط، ومتابعة ما تنشره الشركة الموريتانية للكهرباء (SOMELEC)، وطرح التساؤلات عندما تتفاقم انقطاعات التيار الكهربائي ويتكشّف أن الاستثناء قد أضحى هو الأصل.

 

شهدت العاصمة نواكشوط، خلال ظرف زماني لم يتجاوز يومين، نشوب حريقين في محطتين فرعيتين للكهرباء، مما أسفر عن انقطاعات شمولية في التيار الكهربائي. وأفادت المصادر الرسمية بأن هذه الحوادث تعود إلى اختلالات فنية ناجمة عن أعطال طارئة، مشيرةً إلى فتح تحقيق لتحديد أسبابها. ولن نستبق نتائج هذا التحقيق أو نوجه الاتهام لأي طرف قبل صدور التقرير النهائي، بيد أن السؤال السياسي يظل مطروحًا وواجب الطرح: هل يمكن التعاطي مع هذين الحريقين بوصفهما حادثين معزولين ضمن شبكة كهربائية تعاني من التدهور منذ سنوات، وفي ظل منظومة باتت فيها الانقطاعات جزءًا من المعاناة اليومية للمواطنين؟

 

هذه هي النقطة الجوهرية التي لا ينبغي إغفالها؛ فالإشكالية تتجاوز حدود اشتعال محطتين فرعيتين. فلو كانت الشبكة الكهربائية في نواكشوط تعمل بكفاءة واستقرار، وكانت الأعطال نادرة ومحدودة، لكان من السهل تصنيف هذين الحريقين ضمن الحوادث الاستثنائية. غير أن الواقع الميداني للمواطنين يناقض ذلك تمامًا؛ إذ يعانون من انقطاعات متكررة، وخفض في جودة الخدمة، وأعطال تمتد أحيانًا لتشمل مناطق واسعة نتيجة الضغط المستمر على المحطات والشبكات.

 

لقد كشفت هذه الأزمة عن بعد أكثر عمقًا يتجاوز مجرد الانقطاعات المحض المرتبطة بذروة الاستهلاك، ليتصل بمدى قدرة الشبكة الكهربائية الوطنية على ضمان إنتاج كافٍ ومستقر خلال السنوات القادمة. وتشير أحدث البيانات الدولية إلى أن بلادنا لا تمتلك حاليًا هامشًا مريحًا من قدرة الإنتاج الاحتياطية، مما يجعل المنظومة أكثر عرضة للاضطرابات أثناء فترات الذروة. وفي الوقت الذي ينمو فيه الاستهلاك بنسبة تناهز 10% سنوياً، تبلغ القدرة الإنتاجية المركبة نحو 450 ميغاوات، وهو ما يضاعف الضغوط الهيكلية على الشبكة خلال أشهر الصيف. إن غياب الفائض الكافي يعني أن أي ارتفاع ملموس في الاستهلاك لا يترك للشركة سوى هامش مناورة ضيق جدًا. ومع استمرار نمو الطلب بمعدل سنوي يُقدّر بـ 5%، فإن الأزمة مرشحة للتكرار خلال السنوات المقبلة ما لم تتقدم مشاريع الإنتاج الجديدة بالسرعة المطلوبة.

 

ورغم أن الاستثمارات الجديدة تفتح الآفاق نحو تحسن محتمل، إلا أن تجسيد ذلك يتطلب مدى زمنياً ليس بالقصير. فمنذ عام 2023، أطلقت الدولة مشاريع تهدف إلى إضافة أكثر من 300 ميغاوات من الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، لتبلغ القدرة المركبة للطاقات المتجددة 900 ميغاوات بحلول نهاية عام 2026. كما يهدف برنامج الربط الكهربائي بين موريتانيا والمملكة المغربية إلى تحقيق قدرة تبادلية تصل إلى 300 ميغاوات بحلول عام 2026. غير أنه وفقًا لتقارير البنك الدولي، فإن جذب المستثمرين نحو الطاقات البديلة يستلزم التزام الدولة بتغطية تكاليف الإنتاج، وهو ما يقتضي بالضرورة تحسين الوضع المالي لشركة (SOMELEC).

 

أي آفاق في ضوء أي تحقيق؟

إن أزمة الكهرباء المستمرة في نواكشوط ستظل قائمة خلال السنوات المقبلة، سيما إذا استمر معدل نمو الاستهلاك في تجاوز نمو القدرة الإنتاجية، وإذا تعثرت مشاريع المحطات الجديدة والطاقات المتجددة، وبقي الإنتاج يعتمد بشكل حيوي على الغاز المستورد. وتؤكد البيانات الدولية أن تجاوز الأزمة يتطلب رفع كفاءة الإنتاج، وتأمين مصادر الطاقة، وإصلاح الاختلالات المالية للشركة الوطنية، إلى جانب الإسراع في تنفيذ المشاريع الاستراتيجية.

 

من جهة أخرى، تشكل خطوة رئيس الجمهورية، السيد محمد ولد الشيخ الغزواني، بتشكيل لجنة تحقيق لتحديد أسباب الأزمة وحصر المسؤوليات، قرارًا هامًا وضروريًا. وتقتضي المنهجية العلمية تقييم الأضرار الناجمة عن هذا الحادث؛ فقد فقدت بعض الأسر مؤونتها، وتعرضت المؤسسات الصغيرة لخسائر مالية، وتوقفت العديد من الأنشطة الاقتصادية المرتبطة بالكهرباء.

 

ومن هذا المنطلق، فإن الأمر يتطلب تقييمًا موضوعيًا لآثار هذا الانقطاع الممتد على الخدمات الأساسية، فضلاً عن تبعاته الإنسانية والنفسية؛ إذ إن انقطاعًا طويلاً للكهرباء في عاصمة سيادية مثل نواكشوط من شأنه أن يولد حالة من القلق والاضطراب النفسي لدى الساكنة. لذا يجب حصر كافة الأضرار: خسائر الأسر، خسائر صغار التجار والمستثمرين، تعطل العجلة الاقتصادية، والآثار الاجتماعية والنفسية المترتبة. يجب ألا يقتصر هدف التحقيق على تحديد الأسباب والمسؤولين فحسب، بل ينبغي أن يشمل فهم المعاناة والأضرار التي لحقت بالمواطنين، والانتقال من مجرد التشخيص الإداري للأعطال إلى التقييم الشامل لآثار الأزمة.

 

فنيًا، يجب إجراء تقييم دقيق لحالة المحولات الكهربائية في الشبكة من خلال دراسة المعايير الكهربائية والفيزيائية والكيميائية للزيوت العازلة (Insulating Oils)، لتوفير مؤشرات دقيقة عن جودة العزل واكتشاف العلامات المبكرة للاختلالات. ومن الشفافية بمكان أن تكشف النتائج عن الحالة الفنية للمحولين قبل الحادث وبعده. إن التفتيش الدوري والمستمر لهذه المنشآت يتيح الاكتشاف المبكر للعيوب الهيكلية وتفادي الأعطال الجسيمة، مما يسمح باعتماد استراتيجيات صيانة فعالة وتحديد الفترات الزمنية المثلى لاستبدال المعدات.

 

يمثل تمديد العمر التشغيلي لمحولات القدرة (Power Transformers) رهانًا أساسيًا لمشغلي الشبكات الكهربائية؛ إذ تمثل هذه المعدات زهاء 60% من إجمالي رأس المال المستثمر في المحطات الفرعية. ومن ثمّ، فإن ضمان عملها بكفاءة لسنوات عديدة يُعد أمرًا حاسمًا. إن المراقبة المنهجية لأسطول المحولات تعتبر الضامن الأهم للأداء الاستثماري والاستمرارية التشغيلية، مما يتطلب تحليلًا وتنبؤًا تقنيًا وماليًا للتدخلات اللازمة للحفاظ على الجاهزية التشغيلية للمحولات ذات التبريد السائل.

 

التحاليل الفنية الواجب إجراؤها

يعتمد الحفاظ على سلامة المحولات بالأساس على ضبط القدرة العازلة للمواد السائلة (مثل الزيت العازل). ولهذا الغرض، أُوصي بإجراء مجموعة من التحاليل الاختبارية لتحديد الحالة الفنية للمواد العازلة:

اختبار قوة العزل الكهربائي (Dielectric Strength): لقياس مدى قدرة الزيت على العزل الكهربائي.

تحليل نسبة الرطوبة (Water Content): لتفادي تدهور الأوراق العازلة المحيطة بملفات المحول.

قياس نسبة الحموضة (Acid Number): لتجنب التآكل الكيميائي للمكونات الداخلية.

 

أما الوقاية من الحوادث الجسيمة وتقييم مدى تقدم التدهور (والذي ينشأ عادة بعد 5 سنوات من التشغيل)، فينبغي اعتماد التحاليل الكروماتوغرافية التالية:


الكروماتوغرافيا الغازية (Gas Chromatography): للكشف عن الغازات الذائبة والظواهر التي تؤدي إلى تفكك العوازل.

الكروماتوغرافيا السائلة (Liquid Chromatography): للوقوف على مستوى التدهور الفعلي للأوراق العازلة لملفات المحول.

 

إن المخرجات الصادرة عن هذه التحاليل ستسمح بالتنبؤ الدقيق بعمليات الصيانة الوقائية وتقدير التكاليف المالية المترتبة عليها بدقة عالية.

ثلاثاء, 08/09/2026 - 16:12

          ​