موريتانيا: أزمة في الطماطم «الترف الأحمر» المستورد من المغرب… وارتفاع سعره في الأسواق والحكومة تشرح السبب والمعارضة تحتج

 لم يعد ارتفاع سعر الطماطم في الأسواق الموريتانية مجرد تقلب عابر في أسعار الخضروات، بل تحول إلى مادة للسجال السياسي، في ظل تزايد أعباء المعيشة واتساع حساسية الشارع تجاه أسعار المواد الغذائي.
ففي نواكشوط، وبعد يوم واحد من مباشرة الحكومة الجديدة لمهامها، يثير ارتفاع سعر الطماطم المستوردة من المغرب، التي يصفها البعض بـ»الترف الأحمر»، تساؤلات بشأن اضطراب التموين وكلفة الاستيراد وفاعلية الإجراءات الحكومية لضبط الأسواق، فيما تتبادل الحكومة والمعارضة السجالات حول المسؤولية عن موجة الغلاء.
وبين تبريرات ترتبط بظروف السوق وسلاسل التوريد، وانتقادات ترى في الأزمة مؤشراً على اختلالات أعمق في السياسة التجارية والقدرة الشرائية للمواطنين، تتجاوز حكاية الطماطم حدود سلعة يومية لتفتح ملف الأمن الغذائي وكلفة الاعتماد على الواردات في بلد تتزايد فيه الضغوط المعيشية.
وفي تفسيره للأزمة، قال وزير التكوين المهني والصناعة التقليدية والحرف، الناطق باسم الحكومة وكالة، محمد ماء العينين ولد أييه، إن قيودًا خارجية على الطماطم المستوردة تقف وراء ارتفاع الأسعار.
وأوضح خلال المؤتمر الصحفي الحكومي، مساء الأربعاء 14 أكتوبر/تشرين الأول، أن الدول المصدرة تتخذ هذه الإجراءات وفق سياساتها وما تراه محققًا لمصالحها، دون أن يسمي دولة بعينها.
وأضاف أن الإنتاج المحلي، وخصوصًا محصول التعاونيات الزراعية على ضفة النهر، تأثر بالسحب الأخيرة، ما انعكس «كثيرًا» على توفر الطماطم في الأسواق. وأشار إلى صعوبات مرتبطة بفصول زراعتها، تحد من انتظام إنتاجها وتلبية حاجات المستهلكين على مدار السنة.
وأكد ولد أييه أن الحكومة تتجه إلى تحقيق الاكتفاء الذاتي، وأن هذه السياسة أحرزت تقدمًا كبيرًا في إنتاج بعض الخضروات الأخرى.
أما المعارضة، فترى أن وجود أسباب خارجية للنقص لا يلغي مسؤولية الدولة عن متابعة ما يجري داخل الأسواق.
وقال رئيس حزب تجديد الحركة الديمقراطية «تحدّي»، يعقوب ولد لمرابط، عقب زيارة وفد من حزبه لسوق مسجد المغرب، إن الوضع ينذر بالخطر، منتقدًا ما وصفه بـ»غياب الدور الرقابي للدولة وعجزها عن ضبط الأسواق وكبح جماح الأسعار».
وحذر يعقوب لمرابط من التداعيات الاجتماعية لاستمرار الغلاء وتآكل القدرة الشرائية، فيما طالب الحزب بالتدخل العاجل، وتشديد الرقابة على الأسعار، ومكافحة المضاربة، واتخاذ إجراءات لحماية المستهلك.
ونقل الحزب شكاوى مواطنين من ارتفاع أسعار الأرز والزيت والخضروات وصعوبة توفير احتياجاتهم اليومية، واضعًا أزمة الطماطم ضمن ضغوط معيشية أوسع.
يسأل المشتري عن الطماطم، يسمع السعر، ثم يعيد النظر في حاجته إليها، ويتكرر المشهد في أسواق نواكشوط، حيث أصبحت الثمرة التي تمنح الغداء لونه موضوعًا للشكوى والتندر، بعدما شح المعروض منها وبلغ سعر الكيلوغرام في بعض نقاط البيع أربعة آلاف أوقية قديمة.
وبين طاولات تخلو منها وأخرى تعرض كميات محدودة، يبحث الباعة والمشترون عن تفسير لهذه القفزة في أسعار هذه المادة، وقد دخلت الأزمة دائرة السجال السياسي، بعدما عزتها الحكومة إلى قيود تفرضها الدول المصدرة وعوامل مناخية أثرت في المحصول المحلي، بينما اتهمت المعارضة السلطات بالتقصير في مراقبة الأسواق وحماية القدرة الشرائية.
وفي «سوق مسجد المغرب»، أبرز أسواق الخضروات بالعاصمة نواكشوط، تفيد شهادات الباعة بأن سعر الكيلوغرام بلغ 2500 أوقية قديمة عند التوريد أو البيع بالجملة، قبل أن يصل في بعض نقاط التجزئة إلى أربعة آلاف أوقية، أي ما بين 250 و400 أوقية جديدة.
وتواترت معلومات نشرها أرباب أسر على مواقع التواصل على وصول سعر الكيلوغرام لـ 3500 أوقية قديمة في السوق نفسه، فيما نقل حزب «تحدي» المعارض، عقب زيارة قام به رئيسه للأسواق، بلوغ سعر كيلو الطماطم ثلاثة آلاف أوقية. وتتفاوت الأسعار بحسب نقاط البيع والكميات المتاحة، لكن الشكاوى واحدة: الطماطم أصبحت فوق طاقة كثير من المشترين.
وباعتماد سعر صرف تقريبي يبلغ 400 أوقية قديمة للدولار، يتراوح ثمن الكيلوغرام بين 6.25 وعشرة دولارات، مبلغ يجعل شراء كمية بسيطة منها قرارًا يحتاج إلى حساب.
ولا يقتصر الضرر على المستهلك، إذ تقول بائعات إن غياب الطماطم يؤثر في بيع بقية الخضروات، لأن الزبون يأتي عادة لشراء مكونات وجبة كاملة. ويشكو باعة صغار من أن شراء كميات أقل بات يتطلب أموالًا أكثر، في وقت تتراجع فيه المبيعات، فيما اضطر بعضهم، وفق الشهادات الميدانية، إلى ترك أماكن عملهم بعدما عجزوا عن مواصلة النشاط.
والغلاء، بالنسبة إلى هؤلاء، لا يعني أرباحًا أكبر بالضرورة، فقد يظلون ساعات في انتظار مشترٍ يستطيع دفع السعر، بينما تزداد احتمالات تلف بضاعتهم.
وتوضح بيانات التجارة حجم اعتماد موريتانيا على الإمدادات الخارجية، ولا سيما المغربية. فبحسب منصة «ويتس» التابعة للبنك الدولي، استوردت البلاد عام 2024 نحو 33 ألفًا و417 طنًا من الطماطم الطازجة أو المبردة، بقيمة تقارب 7.6 ملايين دولار، جاءت جميعها، وفق الواردات المسجلة، من المغرب.
وفي العام السابق، وفر المغرب نحو 99.1 في المئة من واردات موريتانيا من هذا الصنف، مقابل كميات محدودة من السنغال.
ويعادل حجم واردات 2024 نحو 91 طنًا يوميًا في المتوسط؛ ورغم أن هذا الرقم لا يمثل الاستهلاك الوطني الكامل، فإنه يبين حجم الكميات التي تصل من الخارج، وما قد يترتب على تعثرها في سوق تعتمد على مصدر شبه وحيد.
ومن الجانب المغربي، نقل موقع «ميديا24»، في تقرير نشره قبل يومين، عن الفيدرالية المهنية لمنتجي ومصدري الخضر والفواكه استمرار قيود على تصدير بعض فئات الطماطم إلى الأسواق الإفريقية.
وتحدث التقرير كذلك عن تأثر المحصول بحرارة مرتفعة في منطقة أكادير، إلى جانب زيادة تكاليف المدخلات والطاقة وصعوبات الحصول على المياه.
وتقدم هذه المعطيات خلفية لاضطراب التموين، لكنها لا تكفي للجزم بصدور منع شامل وجديد لتصدير الطماطم إلى موريتانيا تحديدًا.
وتعيد هذه التطورات طرح السؤال عن قدرة الزراعة المحلية على تعويض النقص. فقد بلغ إنتاج الخضروات، وفق البيانات الرسمية، 134 ألفًا و25 طنًا خلال موسم 2024–2025.
وأعلنت وزارة الزراعة الموريتانية، عند التحضير لحملة 2025–2026، استهداف إنتاج خام يبلغ 240 ألف طن، ونسبة اكتفاء تصل إلى 84 في المئة من الخضروات الأكثر استهلاكًا.
لكن هذه الأهداف تخص الخضروات مجتمعة، ولا تقدم حصيلة مستقلة للطماطم. كما أن غياب بيانات وطنية حديثة ومفصلة عن إنتاجها واستهلاكها يجعل من الصعب تحديد حجم العجز ونسبة الاكتفاء بدقة.
ويضع إقرار الحكومة بالطابع الموسمي للمشكلة، انتظام التموين في صلب النقاش؛ فزيادة المحصول في موسم معين لا تضمن توفره بقية السنة، ما لم تواكبها وسائل مناسبة للحفظ والنقل والتسويق، وبرمجة للإنتاج تراعي فترات النقص.
وفي المقابل، يتطلب التعامل مع شكاوى المضاربة تتبع أسعار التوريد وكلفة النقل وهوامش البيع، حتى تتضح أسباب الفارق بين ما يدفعه التاجر وما يتحمله المستهلك.
قد تعود الطماطم قريبًا إلى أماكنها المعتادة وتنحسر النكات عن غلائها، لكن الأسر التي حذفتها من قائمة مشترياتها تنتظر، وفقا لمحللين، ما هو أبعد من انفراج عابر، فنجاح سياسة الاكتفاء الذاتي سيقاس أيضًا بقدرة الأسواق على تجاوز الشحنة المتأخرة والموسم الصعب، دون أن تتحول مكونات الغداء البسيط إلى سلع يعجز الناس عن شرائها.

خميس, 15/10/2026 - 16:39

          ​